www.darussalam-np.com

الشيخ الثائر عبد العزيز البدري السامرائي صيغة PDF طباعة أرسل لصديقك
الثلاثاء, 02 مارس 2010 00:00

المؤرخ: صادق الجميلي
مولده ونشأته وشيوخه
كان الشيخ عبد العزيز البدري من الرعيل الأول في صفوف الحركة الإسلامية في العراق، ترك بصمات على التاريخ المعاصر في الجهاد والتضحية من اجل هذا الدين الذي أصبح غريبا عند أهله، ولد هذا الشيخ في رصافة بغداد محلة بني سعيد في 1-7-1930 من أسرة متوسطة الحال تنتسب لسيدنا الحسين بن علي -رضي الله عنهما- وتعلم القران الكريم ومبادئ الدين في كتّاب محلته.. ثم دخل المدرسة الابتدائية وتخرج فيها، وكان محبا للدين ورسالة سيد الخلق أجمعين فدخل المدارس الدينية، وواصل تعليمه الديني على كبار علماء عصره ومشاهيرهم..وبعد ان أصبح أهلا للوظيفة في المساجد، تولى _رحمه الله_ الإمامة والخطابة والوعظ والإرشاد في مساجد بغداد..
وقد اشتهر الشيخ البدري وعرف عند الشباب لأول مرة من خطبه عندما نقل إماما وخطيبا في جامع عادلة خاتون في الصرافية، وقد عرفه المصلون جميعا خطيبا مفوها، جريئا في كلمة الحق، متحمسا لنصرة الإسلام، متصديا للأفكار الوافدة، ودعاة المذاهب الهدامة، فيلاحقهم أينما وجدوا، ويفند دعواهم، ويبطل مقولاتهم، ويكشف زيف أفكارهم، ويفضح أساليبهم في خداع الناس وتشويش عقولهم.. وكانت المبادئ الإلحادية تسري في عقول شبابنا وتؤثر فيها، وتظلهم عن الطريق المستقيم..
ثقافته الإسلامية الواسعة التي تلائم روح العصر!!.
عرفته بغداد في الخمسينات من القرن الماضي شابا متحمسا في الأمور الدينية، ويتردد على المشايخ، ويقرأ كثير من الكتب الإسلامية الحديثة التي تصدرها مصر، والتي صدرت من الأردن والتي يؤلفها الشيخ تقي الدين النبهاني وقد تأثر بها، وأصبح يكره الاستبداد وظلم الحكّام وطغيانهم، ويتعرض للمفسدين والخارجين على الدين باليد واللسان..
وأفصح الشيخ البدري عن معتقده الإسلامي بمؤلفات جريئة طبعت ومنها: (حكم الإسلام في الاشتراكية) و (العلماء والحكّام)..
ومن الذكريات التي قام بها في أوائل الخمسينات، يوم أذاعت وكالات الإنباء والتي سمعناها من جهاز الراديو: ان الرئيس جمال عبد الناصر قد اختارته الماسونية العالمية رئيسا فخريا لها في الشرق الأوسط، وكان الشعب العراقي يكن للرئيس جمال حينذاك كل حب وتقدير فلم يصدقوا عند سماعهم هذا النبأ!!..وكان كاتب هذه السطور حينذاك موظفا في دائرة البرق المركزي في السنك لاستلام البرقيات الخارجية، يقول: فدخل الشيخ البدري دائرتنا وبيده برقية معنونة الى الرئيس عبد الناصر تعلمه بإذاعة النبأ الخطير من وكالات الأنباء العالمية، وتطلب منه ان يستنكر ذلك النبأ لان الشعب العراقي لم يصدق ذلك، والبرقية انا الذي استلمتها منه وهي مذيلة بتوقيع كبار العلماء في العراق وعلى رأسهم الشيخ العلامة امجد الزهاوي _رحمه الله_ وانتظر العلماء وهو منهم ان يسمعوا تكذيبا لما أذيع في أيام وأسابيع فلم يرد منه شيئا من ذلك..
والله شهيد على ما أقول!!..
الشيخ البدري في عهد عبد الكريم قاسم!!
كان في عهد عبد الكريم قاسم قد بدأ بالظهور تيار الوحدة الفوري مع الجمهورية العربية المتحدة برئاسة جمال عبد الناصر، وكان كثير من الشعب العراقي معه، وكان عبد الكريم قاسم لا يؤمن بالطفرة غير المدروسة، وفي الوقت نفسه لم يكن شيوعيا بل كان وطنيا، ولم يجد من كتلة قوية تسنده وتقف بوجه الوحدة غير كتلة الشيوعيين الذين رفعوا شعارا وهو (اتحاد فدرالي صداقة سوفيتية) ولقبوه بالزعيم الأوحد واعطوه أكثر من حجمه الطبيعي الذي يستحقه، فانتفش الرجل كالطاووس واخذ يضرب بيد من حديد خصومه طلاب الوحدة الفورية، وقام أنصاره بمجازر يُندى لها جبين الإنسانية وتوقف حكم القانون وسادت الفوضى في العراق، ووقعت مسؤولية أخطائهم على الزعيم الأوحد وسوّدوا صورته..
وبدأ دور الشيخ عبد العزيز البدري، فهاجمه في الخُطب والمحاضرات، وقد انساق عبد الكريم قاسم خلف نزواته حين اصدر أحكام الإعدام بحق المخلصين الذين اتهموا في ثورة الشواف.. فوقف الشيخ البدري شامخا بخطبه النارية يثير الجماهير وعاضده في حملته هذه الشيخ مهدي الخالصي في الكاظمية، فقاد هذان الشيخان المظاهرات الجماهيرية الكبرى في بغداد وكلها تهتف بسقوط الزعيم كما كانوا يسمونه، وبخاصة بعد قتل احد انصار الخالصي وهو عبد الأمير الطويل وسحلوا جثته بالحبال وأرادوا ان يعبروا بها جسر الأئمة الى الاعظمية..
وأخيرا عجزت السلطات القاسمية من إسكات الشيخ البدري الا بعد ان فرضت عليه الإقامة الجبرية في منزله في محلة ســـوق حـمادة مـدة عـام من 2/ 12/ 1959 الى 2/ 12 /1960 وتكررت الإقامة الجبرية عليه، ثم السجن ولما أفرج عنه ظل الشيخ على العهد يقارع الظلم والفوضى بخطبه حتى سقوط حكم عبد الكريم قاسم، وعندئذٍ انزاح الفوضويون من الساحة الى غير رجعة..
الشيخ البدري في عهد الرئيس عبد الرحمن عارف!!
في حرب 1967 اجتاح  اليهود القدس الشريف، والضفة الغربية، ومرتفعات الجولان، وسيناء، خلال ستة أيام وسماها اليهود بـ(حرب الأيام الستة) وسماها العرب بـ(نكسة حزيران) وسماها المؤرخ والمحلل العسكري محمود شيت خطاب بـ(فضيحة حزيران)، والذي سبق ان نشر في جريدة العرب لصاحبها نعمان العاني في ستة فصول، عُيّن فيها اليوم الأول للهجوم اليهودي في هذه الحرب، وأُعلم الرئيس جمال عبد الناصر بذلك، فلم يستعد لذلك اليوم بل أهمل ما ابلغ به وكانت النتيجة هي فضيحة حزيران..
وأرسل الشيخ البدري الى جميع رؤساء الدول في العالم الإسلامي برقيات يحملهم المسؤولية امام الله، لان الحرب في الأساس كانت بين حضارتين، الإسلامية واليهودية، لا بين قوميتين.. ثم قرر تشكيل وفد إسلامي عراقي شعبي للسفر الى أقطار العالم الإسلامي لحث القوى الإسلامية وشعوب دولها على النهوض بمسؤوليتها تجاه تلك الكارثة، وللتأكد على ان الإسلام ابعد عن الساحة بقصد سيّء، ولم يكن هو السبب في الهزيمة المنكرة كما صورة الأعداء في العالم..
وكان الوفد يتألف من اثني عشر شخصا إسلاميا ومنهم: الدكتور صالح مهدي السامرائي، وعبد الغني شندالة، وصالح عبد الله سرّية، والدكتور علي البكّاء من اهل النجف، وعلى رأسهم المجاهد الشيخ عبد العزيز البدري.. وقد زار الوفد بعض أقطار العالم الإسلامي من الهند الى اندنوسيا، وبعد عودته الى بغداد، عقد الشيخ البدري مؤتمراً صحفيا أوضح فيه ما شاهده في العالم الإسلامي من طاقات مهدورة كان يجب ان توجه لخدمة القضية الفلسطينية، مستنكرا حصرها في النطاق العربي الضيّق، ورأى تحمس شعوب هذه الدول التي زارها الى الجهاد في سبيل الله، ولكن المؤامرة التي حيكت كانت اكبر من هذه المشاعر التي أججتها هذه الجولة..
نشاط التيار العلماني بعد الكارثة!!
بعد هذه الكارثة والهزيمة المنكرة، اهتز التيار العلماني في البلاد العربية وتصدع بنيانه، وبدأ التيار الإسلامي في العراق ينشأ ويضغط على حكوماته بالعودة الى الإسلام لأنه الحل الوحيد لمعالجة قضايانا، لكن المخطط الذي وضعه أعداؤه لمحاربة الإسلام وأهله وبخاصة في العراق الذي بدأ يتململ ويدرك حجم المؤامرة ضده، اختار التيار المغترب المعادي للإسلام شخصا وصفوه بالمفكر العربي، ويحمل الجنسية الأمريكية يدعى نديم البيطار لمواجهة العراقيين وتخديرهم بسموم العلمانية.. وقد تم استدعاءه من كندا لهذا الغرض، وذلك بإلقاء المحاضرات في منتديات بغداد والتي تؤكد وبدون حياء: ان الأفكار الإسلامية والتي يسميها بالغيبية هي السبب في الهزيمة، وقال في إحدى محاضراته: انه لا نصر على الصهيونية إلا بالتخلي التام عن هذه الغيبيات، وهو المذكور أيضا في كتابه (الأيدلوجية العربية) وأراد ان يلقي محاضرة أخرى في النادي الثقافي في حي المنصور، ووزعت بطاقات الدعوة على المدعوين.. فلما سمع بذلك الشيخ البدري وعرف موعد وتاريخ هذه المحاضرة أعلن عن قيام مظاهرة جماهيرية يقودها بنفسه للذهاب الى هذا النادي وفعل الشيخ البدري ما صمم عليه وتجمهر المسلمون في الموعد المحدد بعد صلاة العصر وسارت نحو النادي والتقت بها وساندتها المظاهرات الجماهيرية الأخرى التي جاءت من حي البياع والتي كان يقودها الشيخ علي الحانوتي، واتجه الجميع نحو هذا النادي هاتفين: الله اكبر.. لا اله الاّ الله. وسُمع هذا الهتاف من بعيد يشق عنان سماء بغداد..
فلما سمع أنصار المحاضرة هدير الجماهير بالهتافات الإسلامية متجهين نحوهم، انطلقوا هاربين مع محاضرهم المرتد الى المطار وسفروه في ليل مظلم في أول طائرة..
الشيخ البدري قبل إستشهاده!!
لما كان الشيخ البدري يخطب الجمعة في جامع إسكان غربي بغداد، اخذ يهاجم النظام الحاكم وينتقد أخطاءه بكل جرأة وصراحة من منبر الجمعة، وكان يستقطب الشباب المسلم وأجهزة التسجيل التي كان يمتلكها البعض منهم تلتقط خطبه النارية وتوزع بينهم، ومن الذكريات معه ايضاً.. كان في يوم ما يسكن كاتب هذه السطور في حي القادسية ووقف في الشارع العام ينتظر سيارة اجرة فإذا بالشيخ احد ركاباً في السيارة التي وفقت، فامتطيتها ايضا وجلست على كرسي بجنب الشيخ فسلمت عليه ودار الحديث بيننا حول خطبة في المسجد، فأبديت له نصيحة: ان يقلل من حماسه لأننا نعيش في نظام لا يرحم ناقديه.. قال لي: لا يا أخي لا!! فأشار الى زنده الأيسر ومسكه بقوة، وقال: إذن لماذا نسمن هذه الزنود؟ ألتكون طعما للدود في القبور؟ فسكتُّ، وكانت النتيجة كما توقعت.. والله يشهد على ما أقول!.
واختطف الشيخ البدري وهو في طريقه من المسجد الى داره ليلاً، وأخذوه الى المعتقل (قصر النهاية) الذي كان يشرف على من فيه المدعو ناظم كزار، ومارسوا معه اشد أنواع التعذيب.. وقال لي احد أقربائي الذي كانت زنزانته جوار زنزانة الشيخ وهو كان يسمع الاهانة والكلام القبيح فيرد بأكثر منه.. ويمرون منه ويبصقون نحوه، ويقولون: يا جاسوس! يا خائن هذا مصيرك! فيرد عليهم ويعيد البصاق نحوهم ويقول: كل الشعب يعرف إنكم انتم الجواسيس يا عملاء شركات النفط البريطانية..
وأكد لي هذا القريب، وقال: والله لم أشاهد او اسمع في الدنيا مثل هذا الرجل الصلب الصبور.. وبعد مرور سبعة عشر يوما من اعتقاله، حمل الجلادون جثته وتركوها أمام بيته واخبروا أهله: انه مات بالسكتة القلبية، وانتشر الخبر، وحمل نعش الشهيد الأسطورة الى جامع الإمام الأعظم في الاعظمية للصلاة عليه.. وهناك قام شقيقه بالكشف عن جثته أمام جموع المشيعين، وشاهدوا آثار التعذيب ونتف لحيته وكان ذلك في شهر ربيع الأول سنة (1389هـ_1969مـ) فهنيئا لك يا ابا احمد بحسن الخاتمة وبهذه الشهادة في سبيل الله التي هي أسمى أماني المجاهدين..

 

استطلاع الرأي

مارأيك بالموقع
 

عدد الزوار

عدد زوار مشاهدة الموقع : 1104412